Aperçu des sections

  • مدخل عام

    عمل الإنسان منذ وجوده على أن يتشارك مع بني جنسه من أجل أن يجعل حياته أكثر يسر وراحة؛ فقد كانت هذه الحياة مستمرة في التجدد والتغير، لذلك تأتي أهمية دراسة التغير في نفس درجة دراسة المجتمع نفسه، وهذه الأهمية الكبيرة للتغير الاجتماعي نلحظها في تتبعنا للموضوعات المتناولة في حقول العلوم الاجتماعية، إذ أن فهم وتفسير الظواهر الاجتماعية يمر حتما بتفسير تغيرها من شكل لآخر أو من مرحلة لأخرى، ومن أجل ذلك جاءت محاور مقرر التغير الاجتماعي على النحو التالي:

    1/ مفهوم التغير الاجتماعي.

    مفاهيم مشابهة للتغير الاجتماعي: (التقدم، التطور، التحول، النمو، التنمية ...)

    2/ عوامل التغير الاجتماعي.

           أ‌-       العوامل الفيزيقية.

        ب‌-    العوامل الديموغرافية.

        ت‌-    العوامل الاقتصادية.

        ث‌-    العوامل التكنولوجية.

         ج‌-     العوامل السياسية

         ح‌-     العوامل الفكرية والإيديولوجية.

    3/ نظريات التغير الاجتماعي

           أ‌-       النظريات الحتمية.

        ب‌-    النظريات البنائية الوظيفية.

        ت‌-    نظرية الصراع.

        ث‌-    النظريات التطورية.

         ج‌-     النظرية التفاعلية.

    4/ معوقات التغير الاجتماعي.

    5/ أنماط التغير الاجتماعي (التطور، الانتشار، التمثل الثقافي، التحديث، التحضر...)

    6/ مجالات التغير الاجتماعى (الأسرة، السكان، التعليم، الاقتصاد...)

    إن الاهتمام بالتغيرات التي طرأت على المجتمعات قديم قدم التفكير الاجتماعي, فقد تناول فلاسفة الغرب والشرق في الجزء الاجتماعي من تفكيرهم التطورات والتحولات الاجتماعية, كما استمر الاهتمام بالكثير من القضايا التي تخص التغير الاجتماعي في عصر التنوير حتى وأنه لم يكن بالمفهوم الحالي, إن عملية التغير عملية مستمرة وشاملة فكل شيء يتغير ويتبدل ولا يبقى شيء على حاله، وعلى حد تعبير الفيلسوف اليوناني هيروقليطس فإن المرء لا يضع رجله في النهر مرتين لأن النهر يتغير بجريان الماء فيه بين وضع الرجل في المرة الأولى والثانية. إلا أننا في كثير من الأحيان ورغم إيماننا بأن التغير يمس كل الأشياء من حولنا نصف الكثير منها بالثبات والاستقرار([1]).

    فالتغير الذي شهدته المجتمعات عبر التاريخ لم يقتصر على جانب دون الآخر؛ بل شمل كامل البناء الاجتماعي من علاقات ونظم وتعدى إلى أنماط الحياة المختلفة من حيث القيم والسلوك والعادات والتقاليد بالإضافة إلى كل العناصر الثقافية المادية والمعنوية الأخرى, ولأن عالم اليوم عالم التغيرات المتسارعة؛ عالم انهارت فيه القيم التقليدية وزالت فيه الثوابت بحجة حقوق الإنسان وحرياته وتحت وطأة تكنولوجيا الاتصال الحديثة المتواصلة, أصبحت قضية التغير من أهم القضايا التي استرعت اهتمام الكثير من العلماء والباحثين.

    ولكن هذا التغير لم يكن بنفس الوتيرة والشكل والحجم في كل المجتمعات؛ إذ أن هناك مجتمعات بقيت على الهامش تتفرج على ما يحدث دون المساهمة الفعالة في ذلك, ولكي نكون أكثر دقة في التعبير فهذه المجتمعات تعاني من بطئ عملية التغير لتمسكها بثقافة محلية تقليدية تقف حائلا دون التقدم نحو الأمام؛ كما يؤكد الكثير من علماء الاجتماع على غرار أصحاب نظرية التحديث الوظيفية, مما أدى إلى حدوث فرق كبير في التطور الحضاري بينها وبين مجتمعات العالم المتقدم, إن اتساع الهوة بين مجتمعات الدول النامية والدول المتقدمة ومحاولة مجتمعات الدول النامية اللحاق بركب الدول المتطورة وتجاوز التخلف الذي تعيش فيه, أدى إلى ظهور مدارس واتجاهات قائمة بذاتها لتفسير واقع التخلف والتنمية في العالم الثالث.

    أ/ تعريف التغير الاجتماعي:

    لقد شكل موضوع التغير الاجتماعي جزء كبير من تراث علم الاجتماع في الفترة الحديثة والمعاصرة, ووضعت العديد من النظريات السوسيولوجية لتفسيره وتتبعه عبر مراحل مختلفة. والملاحظ أن هناك اختلاف كبير بين هذه النظريات حول تعريف التغير الاجتماعي تصل أحيانا إلى حد التضاد، ولم يكن الاختلاف حول طبيعة التغير بل كذلك حول العوامل المسببة له ونتائجه. ومرجع ذلك إلى ارتباط تلك النظريات والتفسيرات بالمعرفة الإمبريقية المتغيرة من مجتمع إلى آخر, أو أحيانا لأن هذه النظريات ترتبط في كثير من الأحيان بأيديولوجية الباحث وادعائه بأنها معرفة علمية محضة. كل هذه العوامل كانت السبب الرئيسي في إعاقة تفسير ظاهرة التغير الاجتماعي بالشكل اللازم؛ لذلك من الصعوبة بما كان وضع تعريف دقيق لظاهرة التغير الاجتماعي وذلك لتعقدها ولاختلاف مرجعيات أصحاب تعريفات التغير([2]).

    في معجم العلوم الاجتماعية يعرف التغير الاجتماعي بأنه كل تبدل في بناء أو وظائف التنظيم الاجتماعي خلال فترة زمنية معينة, ويشمل ذلك كل تغير يقع في الناحية الاجتماعية كتركيب السكان من حيث السن, الجنس, النشاط، علاقاته الاجتماعية؛... أو في الناحية الثقافية - القيم والمعايير - التي تحدد وتؤثر في سلوكهم وأدوارهم في التنظيم الاجتماعي الذي ينتمون إليه([3]).

    إن أول ظهور لمصطلح التغير الاجتماعي كان في الربع الأخير من القرن الثامن عشر في كتاب ثروة الأمم لآدم سميث ولكن دون أن يقصد به المفهوم المتداول الآن، ويرجع الفضل في انتشار هذا المصطلح للعالم الأمريكي أوجبرن الذي وضع كتاب سنة 1922 يحمل عنوان التغير الاجتماعي, والذي استطاع فيه أن يخلص عملية التغير الاجتماعي من كل ما لصق بها من صفات أطلقها كل من أهتم قبله بهذا الموضوع؛ إذ يؤكد أن عملية التغير الاجتماعي عملية يمكن أن تتجه إلى التقدم أو التأخر، كما تشمل كل جوانب الحياة الاجتماعية, السياسية, الاقتصادية والثقافية. أي أن أوجبرن بهذا المصطلح استطاع أن يفسر كل تبدل في الحياة الاجتماعية دون أي تقييم([4]). ومن أهم الافتراضات التي طرحها في تفسير التغير الاجتماعي والثقافي فرض التخلف الثقافي, وملخصه أن الإنسان يتراكم لديه تراث ثقافي مادي والتغير الذي يحصل فيها يسبق التغير الذي يحدث في الثقافة اللامادية, وبالتالي فعدم مواكبة وتأقلم هذه الأخيرة مع الثقافة المادية يعني سوء التكيف وبالتالي التخلف الثقافي([5]).

    اتفق مع تعريف أوجبرن البعض وعارضه آخرون، ولهذا ومنذ ظهور هذا المفهوم أول مرة والعلماء يقدمون تعريفات وتحليلات متعددة ومختلفة له. ويرجع تعدد التعريفات إلى تعدّد وجهات نظر العلماء، وتعقّد الظاهرة نفسها، بحيث سمحت لهؤلاء العلماء أن يركزوا اهتماماتهم إلى بعض أبعاد الظاهرة حسب اهتماماتهم.

    فأنطوني سميث يرى في كتابه المميز عن التغير الاجتماعي أن دراسة ظاهرة التغير سواء كانت اجتماعية أو تاريخية تعتبر ظاهرة واسعة وكبيرة، ويذهب كل من جيرث ومليز إلى أن التغير الاجتماعي هو التحول الذي يطرأ على الأدوار الاجتماعية التي يقوم بها الأفراد، وكل ما يطرأ على النظم الاجتماعية، وقواعد الضبط الاجتماعي في مدة زمنية معينة, كما يتفق "جنزبرج" مع هذا الطرح، حيث يرى بأن التغير الاجتماعي هو كل تغير يطرأ على البناء الاجتماعي في الكلّ والجزء وفي شكل النظام الاجتماعي، ولذلك فإن الأفراد يمارسون أدواراً اجتماعية مختلفة عن تلك التي كانوا يمارسونها خلال حقبة من الزمن, إن التغير الاجتماعي وفق هذا النحو يصيب البناء الاجتماعي، ويأخذ فقط التغيرات التي تطرأ على سلوكيات الدور الاجتماعي للأفراد دونها تغيرات([6]).

    أمّا روس فبدا له أن التغير الاجتماعي، ما هو إلا التعديلات التي تحدث في المعاني والقِيم، التي تنشر في المجتمع، أو بين بعض جماعاته الفرعية, ويعرفه ديفيز على أنه مجموعة الاختلافات التي تحدث داخل التنظيم الاجتماعي والتي تظهر على كل البناءات والنظم التي تحدث في المجتمع. أما العالم "بوتومور" فيعرف التغير الاجتماعي على أنه تغير يحدث في البناء الاجتماعي متضمنا التغيرات في حجم المجتمع أو في النظم الاجتماعية خاصة أو العلاقات بين هذه النظم، الذي يمكن أن يكون جزء من التغير الثقافي. في حين يذهب فرنسيس ألين إلى أن التغير الاجتماعي يتضمن تغيرات في أسلوب الأداء الوظيفي لهذه الأنساق خلال فترة زمنية معينة([7]).

    ويمكن أن نلخص ما سبق في أن التغير الاجتماعي هو كل تحول يقع في مجتمع من المجتمعات في فترة زمنية محددة، ويصيب تركيبه أو بنيانه الطبقي أو نظمه الاجتماعية أو القيم أو المعايير السائدة أو أنماط السلوك أو نوع العلاقات السائدة، وقد يكون التغير ماديا يستهدف تغير الجوانب المادية والتكنولوجية والاقتصادية، وقد يكون التغير معنويا يستهدف تغير اتجاهات الناس وقيمهم وعاداتهم وسلوكهم([8]).



    ([1]) أنتوني جيدانز, علم الاجتماع، ترجمة فايز الصياغ، الطبعة الأولى، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2005، ص 105

    ([2]) حنان محمد عبد المجيد، التغير الاجتماعي في الفكر الإسلامي الحديث دراسة تحليلية نقدية، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، هرندن، فرجينيا، الولايات المتحدة الأمريكية، الطبعة الأولى، 2011, ص30-32

    ([3]) أحمد بدوي, معجم المصطلحات الاجتماعية, مكتبة لبنان, بيروت, 1978, ص382

    ([4]) نيقولا تيماشيف, نظرية علم الاجتماع: طبيعتها وتطورها, ترجمة محمد عودة وآخرون, مؤسسة المعارف للطباعة والنشر, القاهرة, مصر, الطبعة الثامنة, 1983, ص305

    ([5]) نفس المرجع, ص306

    ([6]) أحمد زايد، التغير الاجتماعي, مكتبة الأنجلو المصرية، ط2، القاهرة، مصر, 2001, ص18- 19

    ([7]) نفس المرجع, ص18

    ([8]) عبد الباسط حسن, التغير الاجتماعي في المجتمع الاشتراكي، مكتبة القاهرة الحديثة، القاهرة، 1964، ص49

  • المحور الأول: / مفاهيم مشابهة للتغير الاجتماعي01

    من خلال الحالة الجديدة التي يكون عليها البناء الاجتماعي عندما يمسه التغير؛ ميز علماء الاجتماع بين عدة أشكال من التغير الاجتماعي منها ما جاء بمعنى الانتقال نحو الأمام مثل: التطور الاجتماعي, التقدم الاجتماعي, التنمية الاجتماعية, التحديث, ومنها ما جاء بعكس المعنى مثل: التخلف الاجتماعي, التخلف الثقافي... وسنحاول أن نعطي تعريفا قريبا يصور كل مفهوم ولو بصورة جزئية؛ ذلك أن التعريف الكافي المانع للمصطلحات في علم الاجتماع يكاد يكون مستحيلا, لأن كل عالم اجتماع يوظف المفهوم الذي يراه مناسب ويخدم رؤيته وتصوره لذلك يختلف المفهوم من نظرية إلى أخرى, كما أن موضوع أشكال التغير الاجتماعي مرتبط أساسا باتجاهات وأهداف التغير لأن التغير لا يكون على نمط واحد طالما أن أهدافه وبيئاته متباينة([1]).

       التقدم الاجتماعي:

    يُعرّف التقدم الاجتماعي بأنه حركة نحو الأهداف الموضوعية التي تنتهي إلى نفع؛ كما أن التقدم نقيض الاستقرار, ويحدد روبرت نيسبت ( Robert Nisbet ) للتقدم الاجتماعي عدة خصائص هي([2]):

    - ارتباط مفهوم التقدم الاجتماعي بفكرة الزمن من الماضي إلى الحاضر متجها نحو المستقبل بشكل مستقيم ومتضمن الاستمرارية.

    - لا يتضمن التقدم التكرار والإعادة فهو متجه نحو اتجاه معين.

    - يحمل التقدم صفة التراكمية فهو يسير خطوة خطوة بشكل تدريجي ومتسلسل.

    - يحصل في ظل مرحلة من مراحل التقدم تحسن وبالتالي كل مرحلة أفضل من سابقتها.

    ويشير التقدم الاجتماعي إلى حالة من حالات التغير الاجتماعي المتعددة؛ فالتقدم يعني التغير الاتجاه نحو الأمام بمعنى التحسن في الظروف المادية والمعنوية, وكنتيجة للتقدم الاجتماعي يظهر المجتمع في حالة أفضل من الحالة السابقة لهذا التغير.

                وأُستخدم مفهوم التقدم الاجتماعي للتعبير عن الانتقال من حالة إلى حالة أفضل؛ وبالتالي جاءت نظريات التقدم الاجتماعي لتفسر التغير الحادث في المجتمعات عبر تقدمها, إذ يرى جون بيوري ( John Bury  ) أن التقدم الاجتماعي يعني أن الحضارة الإنسانية تقدمت وهي حاليا في تقدم وستتقدم في المستقبل في الخط المسطر والمرجو؛ والأمر الذي أدى إلى الخلط بين التغير الاجتماعي والتقدم الاجتماعي ومرد ذلك كما يرى جون ديوي هو أن المجتمعات ظلت لفترات طويلة في حالة إستاتيكية, وأدى التحول البارز من خلال عديد الاختراعات والابتكارات في العصر الحديث المستمر والمتتابع إلى ربط كل تغير بالتقدم([3]).

           وعلى الرغم من محاولة العديد من العلماء كما سبق ذكره إيجاد علاقة يفرقون بها بين مفهومي التقدم الاجتماعي والأشكال الأخرى للتغير الاجتماعي؛ إلا أنه لا يمكن التمييز بوضوح بين النمو والتقدم الاجتماعيين في تطبيقاتهما على التغيرات الاجتماعية, فعلى الأقل هوبهوس لم يعطي ولو مثالا واحدا لعملية نمو اجتماعي ليست تقدمية عندما أوضح أن النمو الاجتماعي في مجال ما يمكن أن يؤدي إلى نتائج سلبية في مجالات أخرى([4]).

    وأخيرا فإن الاعتماد على مفهوم التقدم الاجتماعي في دراسة المجتمع وما يعترضه من تحولات غير مجدي من الناحية المنهجية؛ فالمجتمع لا يتقدم وينتقل إلى الحالة الأفضل بالضرورة ولذلك فاستعمال التغير الاجتماعي سيكون مفيدا من هذه الناحية, حتى وإن ادعى البعض أن مجتمعات تتجه تقدما في تغيرها إلا أنه لن يكون دائما هناك اتفاق حول معنى التقدم؛ فالمجتمعات الغربية مثلا في نظر الكثير من ثقافات الشرق لا تعتبر متقدمة في المجال الأخلاقي والروحي على الرغم من التفوق المادي التكنولوجي.



    ([1]) إحسان محمد الحسن, مبادئ علم الاجتماع الحديث, الطبعة الأولى, دار وائل للنشر, عمان, الأردن، 2005, ص302

    ([2]) لطيفة طبال, التغير الاجتماعي ودوره في تغير القيم الاجتماعية, مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية, جامعة قاصدي مرباح, ورقلة, الجزائر, العدد الثامن, 2012, ص411

    ([3]) عبد الغني عماد, سوسيولوجيا الثقافة المفاهيم والإشكاليات...من الحداثة إلى العولمة, مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت, لبنان, الطبعة الأولى, 2006, ص190

    ([4]) محمد علي محمد وآخرون, دراسات في التغير الاجتماعي, دار الكتب الجامعية, الإسكندرية، الطبعة الأولى, 1974، ص41-42

    التغير الاجتماعي و سماته | المرسال

    • المحور الثاني: / مفاهيم مشابهة للتغير الاجتماعي02

      التطور الاجتماعي:

             جاء في معجم المصطلحات الاجتماعية أن التطور (évolution) نمو بطيء ومتدرج يؤدي إلى تحولات منظمة ومتلاحقة, وتمر هذه العملية بمراحل حيث ترتبط كل مرحلة بسابقتها كتطور الأخلاق, الأفكار والعادات([1]).

             أما التطور الاجتماعي (évolution sociale) في معجم المصطلحات الاجتماعية فهو نمو الثقافة وأشكال العلاقات والتفاعل الاجتماعي, وتشبه عمليات التطور الاجتماعي العمليات التي يمر بها التطور البيولوجي؛ هذه العمليات متمثلة في الانتخاب الطبيعي والتكيف والكفاح من أجل البقاء([2]). 

             من خلال ما سبق يتبين أن التطور الاجتماعي هو نمو متدرج يؤدي إلى تحولات منتظمة ومتلاحقة, عبر مراحل محددة ترتبط كل مرحلة بالمرحلة التي تسبقها.

                  وبرز هذا المصطلح واستعمله بعض علماء الاجتماع في تفسير بعض الظواهر الاجتماعية في القرن التاسع عشر, إثر النجاح الذي حققته العلوم الطبيعية ولا سيما نظرية التطور لداروين في تفسير الوسط الطبيعي, الذي فتح المجال لاستعمال مصطلح التطور الاجتماعي بصورة كبيرة في العلوم الاجتماعية عموما وعلم الاجتماع على وجه الخصوص, وأول من وظفه عالم الاجتماع هربرت سبنسر الذي يرى أن تطور المجتمع يشبه إلى حد كبير تطور الكائن العضوي أو ما يرف بالمماثلة العضوية أو البيولوجية([3]).

                  وأُخذت فكرة التطور الاجتماعي من نظرية التطور البيولوجي التي دعمت تأثير فلسفة التاريخ على علم الاجتماع؛ وقد تناول هربرت سبنسر هذه القضية في كتابيه (الاستاتيكا الاجتماعية وأسس علم الاجتماع) إذ عقد مماثلة بين النمو الاجتماعي والنمو العضوي, مقدما تعريفا للتطور الاجتماعي بأنه انحدار سلالي معدل على نحو معين([4]).

      أما الفرق بين التغير الاجتماعي والتطور الاجتماعي فيتمثل في أن الأول تبدل وتحول في البناء, النظام والعلاقات الاجتماعية بدون تحديد شكل أو اتجاه هذا التبدل؛ والثاني – التطور الاجتماعي – هو تحول في البناء والعلاقات الاجتماعية في اتجاه معين ومحدد يتعلق بما يحدث للنسق الاجتماعي([5]).

      ولكن يبقى مفهوم التطور الاجتماعي عاجز في تفسير الكثير من أوجه التغير التي تحدث في الوسط الاجتماعي, لذلك نجد أن وليام أجبرن – أول من أعطى للتغير الاجتماعي تعريفا شاملا لكل أشكاله – يرى أن نظرة التطور الاجتماعي المتمثلة في كشف الانتخاب التنوع في تطور النظم الاجتماعية لم تستطع أن تفسر إلا القليل من النتائج الحيوية والهامة, وبالتالي يمكن حصر مفهوم التطور الاجتماعي في التحول من أشكال البناء الاجتماعي البسيطة إلى الأشكال الأكثر تعقيدا([6]).

      كما اُستعملا مفهومي التغير الاجتماعي والتطور الاجتماعي في التفكير الاجتماعي بداية عصر التنوير بنفس المعنى, وظهر ذلك جليا في محاولة هربرت سبنسر في مماثلته البيولوجي بالاجتماعي؛ والتي يعتقد فيها أن المجتمع يتجه إلى تعقد بنائه وتعدد وتمايز الوظائف فيه مثله مثل الكائن الحي في تطوره البيولوجي, إلا أن وليام أوجبرن وجوليان ستيوارد (Jolian Steward) يريان أن تشبيه الاجتماعي بالبيولوجي وحصر التغير الاجتماعي في المسار التطوري لم يسفر إلا عن نتائج قليلة جدا؛ كما أن المسار التطوري حتمي ويسير في طريق مستقيم في حين أن التغير الاجتماعي يسير في عدة خطوط حسب العوامل السياسية, الاقتصادية والثقافية, ما دفع بعلماء الاجتماع إلى التخلي عن النظرية التطورية في حقل علم الاجتماع([7]).

         التنمية الاجتماعية:

             في معجم العلوم الاجتماعية التنمية الاجتماعية (développement social) هي الجهود التي تبذل لإحداث سلسلة من التغيرات الوظيفية والهيكلية اللازمة لنمو المجتمع, وذلك بزيادة قدرة أفراده على استغلال الطاقة المتاحة إلى أقصى حد ممكن؛ لتحقيق الحرية والرفاهية لهؤلاء الأفراد بأسرع من معدل النمو الطبيعي([8]).

             كما يميز المعجم بين النمو والتنمية الاجتماعية فالنمو عملية النضج التدريجي والمستمر للكائن (الأفراد, المجتمعات), وزيادة حجمه كليا أو بصورة جزئية ويتضمن النضج التغير الكمي أو الكيفي([9]), أما النمو الاجتماعي فهو عمليات التغير الذي يلحق بالبناء الاجتماعي عن طريق التطور الطبيعي والتحول التدريجي([10]). ومنه فالاختلاف بين النمو والتنمية الاجتماعية يكمن في أن الأول تلقائي أما الثانية – التنمية الاجتماعي – فإنها تخضع للإرادة البشرية والمجهود الإنساني؛ الذي هو ثوري أكثر منه تطوري([11]).

      ويمكن أن نقول أن التنمية الاجتماعية كمفهوم ظهرت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وخاصة بعد استرجاع معظم الدول لسيادتها, لتعبر عموما على الجهود المبذولة لتعبئة أفراد المجتمع والاستغلال الأمثل للإمكانيات المادية والبشرية لتحقيق قدر من الرفاهية حسب الإمكانيات المتوفرة بأسرع وقت ممكن([12]).

      ويعرفها محمد الدقس بأنها الجهد الذي يبذل من خلال تخطيط علمي للعمليات الاجتماعية والاقتصادية, وفق إيديولوجية معينة للانتقال بالمجتمع من حالة غير مرغوب فيها إلى حالة مرغوب الوصول إليها, وذلك للرقي بالمجتمع وجعله في أعلى درجات التقدم([13]), في حين أن المهدي المنجرة يذهب إلى أبعد عندما يحصر التنمية في القدرة على إيجاد وسط مناسب لتقدم المعرفة وتنوير الكفاءات؛ والتي يمكن الاستفادة منها في تحسين نوعية الحياة([14]).

      وأخيرا يمكن أن نفرق بين النمو والتنمية الاجتماعية في أن الأول يعبر عن مظاهر التبدل التلقائي الذي يمس المجتمع؛ بينما الثاني فهو العملية الإرادية المخططة لإحداث تغيراً مستهدفاً, في حين أن التغير الاجتماعي فيشير إلى التبدل الذي يمس البناء الاجتماعي والأدوار وقيم الضبط الاجتماعي والذي قد يكون سلبيا أو ايجابيا, بالإضافة إلى أن التغير الاجتماعي عادة ما يكون سريعا وكيفيا ولا يمكن التنبؤ به؛ أما التنمية فهي بطيئة وكمية لأنها موجهة ومشروطة بتوفير بعض العوامل السياسية, الاقتصادية والاجتماعية الثقافية ويمكن التنبؤ بها, وعموما فالتنمية الاجتماعية هي أقرب المفاهيم إلى التغير الاجتماعي إلا أن الفرق بينهما في أن التنمية تتضمن دائما بعدا إيجابيا([15]).

      ونشير هنا إلى أن بعض علماء الاجتماع استخدام مصطلح النمو الاجتماعي للتعبير عن عملية التغير الاجتماعي, وقد استخدم هوبهوس مصطلحي التطور الاجتماعي والنمو الاجتماعي بمعنى واحد في معظم كتاباته؛ على الرغم من انتقاده لنظرية سبنسر التطورية, واقترح أربعة معايير للنمو تتمثل في: الزيادات في كل من المدى, الكفاءة, التبادل والحرية([16]).



      ([1]) أحمد بدوي, مرجع سابق, ص143

      ([2]) نفس المرجع, ص386

      ([3]) نيقولا تيماشيف, مرجع سابق, ص70

      ([4]) محمد علي محمد وآخرون, مرجع سابق, ص4-5

      ([5]) جودت بني جابر, علم النفس الاجتماعي، الطبعة الأولى، مكتبة دار الثقافة للنشر و التوزيع، عمان، الأردن, 2004، ص 156

      ([6]) لطيفة طبال, مرجع سابق, ص416

      ([7]) عبد الغني عماد, مرجع سابق, ص189

      ([8]) أحمد بدوي, مرجع سابق, ص384

      ([9]) نفس المرجع, ص187

      ([10]) نفس المرجع, ص384

      ([11]) نفس المرجع, ص384

      ([12]) عبد الغني عماد, مرجع سابق, ص191

      ([13]) لطيفة طبال, مرجع سابق, ص417

      ([14]) المهدي المنجرة, قيمة القيم, الطبعة الثانية, دون دار نشر, الرباط, المغرب, 2007, ص59

      ([15]) عبد الغني عماد, مرجع سابق, ص191

      ([16]) محمد علي محمد وآخرون, مرجع سابق, 37

      أنواع التغير الاجتماعي في المجتمعات

      • المحور الثالث: عوامل التغير الاجتماعي01

        عوامل التغير الاجتماعي:

        أ/ العوامل الفيزيقية:

        تتمثل في الوسط الذي يعيش فيه الإنسان وتتضمن الموقع, السطح, المناخ, المواد والثروات الطبيعية, وعلى الرغم من تغير هذه العوامل نادر الحدوث إلا أن تغيرها يتبعه تغيرات هامة في الجانب الاجتماعي والثقافي؛ فتغير المناخ مثلا ينتج عنه تغيرا في النشاط الزراعي وبالتالي في العلاقات الاجتماعية والممارسات الثقافية, كما أن وجود ثروات طبيعية لدى مجتمع ما يزيد من دخله ومن ثم يؤدي إلى ظهور نظم وعلاقات اجتماعية وثقافية, فالتغيرات التي تحدث في العوامل الإيكولوجية تفرضا نوعا من التكيف وتغييرا في طرق وأساليب الحياة الاجتماعية, إذن فالعوامل الفيزيقية - كما يرى مونتسكيو - لها دور كبير في تحديد العادات السائدة في المجتمع وأعرافه وسلوكات أفراده؛ بالتالي في بنائه الاجتماعي([1]).

        ومن الممثلين للاتجاه الإيكولوجي في التغير الاجتماعي عبد الرحمان ابن خلدون والذي يؤكد على تأثير البيئة في العمران البشري والتي يعدها من أهم العوامل المحددة لنشاط الإنسان, إضافة إلى مونتيسكيو ( Montesqieu ) الذي يرى في كتابه روح القوانين أن محرك التاريخ ومصدر الشرائع يتحدد في المناخ والامتداد الجغرافي, كما قدم ديمولان ( Demolins ) إسهاما كبيرا في دعم الاتجاه الحتمي الجغرافي مبينا تأثير الطبيعة في حياة البشر, فيما يغالي الألماني فريدريك راتزل ( F. Ratzel ) في إظهار أثر العوامل الطبيعية في التغير الاجتماعي إلى درجة أنه يرى أن التربة هي التي تحدد مصير الشعوب بحتمية صارمة, ولكن في نهاية الربع الأول من القرن العشرين أصبح هذا الاتجاه – الحتمية الإيكولوجية – دون قيمة فلقد وجهت له العديد من الانتقادات, إذ أصبح التغير الاجتماعي والثقافي يفسر بالنشاط البشري الناتج عن التفاعل بين الإنسان والبيئة الطبيعية.

        ب/ العوامل الديموغرافية:

        يعمل حجم السكان وتوزيعهم وتركيبهم من حيث السن والجنس والنشاط على التأثير في إحداث التغير الاجتماعي؛ ذلك أن هذه المتغيرات ( الحجم, التوزيع والتركيب ) تفرض أنماطا من السلوك وتعمل على تنظيمه كما أن لها وظائف محددة في النظام الاجتماعي؛ وكمثال على ذلك فالأسرة الممتدة كبيرة الحجم في الوسط الريفي تقوم بالعديد من الوظائف تعجز عن القيام بها الأسرة النووية في المجتمع الحضري, وبالتالي فالتوقعات الاجتماعية تتغير بتغير حجم السكان وتعقد البناء الاجتماعي, ولذلك فكلما قل حجم الأسرة يكون التغير الثقافي أكثر بروزا ومن ثم يؤدي ذلك إلى تغيرا اجتماعيا وثقافيا.

               ويعتبر توماس روبرت مالتوس ( T. Malthus ) من أبرز العلماء الذين تبنوا الاتجاه السكاني في التغير الاجتماعي؛ حيث اعتبر الزيادة السكانية معرقلة للتقدم والتطور لأنه يرى أن الثروات الطبيعية تتزايد بطريقة حسابية أي كمية الثروة تزيد بالإضافة ( 1+ 2+ 3+... )؛ أما الزيادة السكانية فتسير وفق متتالية هندسية بمعنى أن عدد السكان يزيد بالتضاعف ( 1×2+ 2×2+ 3×2+... ), وفي النهاية تصبح الثروات غير قادرة على إشباع حاجات البشر وبالتالي ظهور العديد من المخاطر كالجوع, المرض والموت... كما أنه يعتبر أن هذه المخاطر التي تؤدي إلى إنقاص عدد السكان بالإضافة إلى الصراع من أجل البقاء كلها ميكانيزمات تعمل على إعادة التوازن أو على الأقل تقلل من اختلال التوازن بين النمو السكاني وتوفر الثروات الطبيعية, وعلى الرغم من وجود أنصار كثر لهذه النظرية – المالتوسية – والذين يوافقونها في إرجاع مشاكل الدول النامية في الانفجار السكاني, إلا أن كارل ماركس وصديقه إنجلز يوجهان انتقادات لاذعة لها لكونها تعلن صراحة على إعلان الحرب من طرف البرجوازية على طبقة البروليتاريا, وعلى أي حال لا يمكن أن نربط دائما التخلف بحجم السكان ذلك أن هناك العديد من الشواهد الواقعية التي تدحض هذه النظرة, فالصين والهند متطورتان على الرغم من حجم السكان الهائل والصومال وموريتانيا متخلفتان رغم قلة عدد سكانهما, ولذلك فالعامل السكاني من العوامل المؤثرة في التغير الاجتماعي ولكنه ليس الوحيد([2]).

        ت/ العوامل الاقتصادية:

        لا شك أن النظرية الماركسية أهم وأشهر النظريات التي فسرت التغير الاجتماعي بالعوامل الاقتصادية؛ ويستعمل كارل ماركس الطبقة كوحدة للتحليل ينطلق منها لتحديد العلاقات الاجتماعية القائمة على ملكية وسائل الإنتاج, وقوى الإنتاج وموقع المالك والعامل من هذه العلاقات, ويحدد قوى الإنتاج في الوسائل التي تتم بها عملية الإنتاج بالإضافة إلى الأشخاص الذين يستخدمون هذه الوسائل, أما علاقات الإنتاج فيقصد بها ماركس تلك العلاقات الناشئة خلال عملية الإنتاج بين الطبقة المستغَلة والخاضعة لملاك الوسائل والطبقة المستغِلة والمالكة لوسائل الإنتاج, ولأن وسائل الإنتاج دائمة التبدل والتطور فإن هذه الأخيرة - وسائل الإنتاج – تدخل في صراع مع علاقات الإنتاج؛ ومن ثم فإن الواقع المادي والاجتماعي لقوى الإنتاج هو الذي يحدد الوعي الاجتماعي؛ أي أن القوى الاقتصادية هي المسؤولة عن التطورات والأحداث التاريخية التي يمر بها المجتمع الإنساني إلى درجة تصبح فيها بقية العوامل الأخرى عديمة الجدوى وبالتالي فتفسير ماركس يتصف بالحتمية.

               واجهت هذه النظرية – الماركسية – انتقادات خاصة تلك المتعلقة بالتركيز على عامل واحد وهو العامل الاقتصادي في تفسير التغير الاجتماعي, ذلك أن هذا الأخير ليس بالبساطة التي تجعلنا أن نحصره ونفسر بعامل واحد؛ لأن البناء الاجتماعي وما يتضمنه من أنماط ثقافية متعددة ومتشابكة ومن علاقات وأنظمة اجتماعية بالغة التعقيد لا بد وأن يُفسر بالعديد من العوامل, بالإضافة إلى هذا الانتقاد فقد اُنتقد ماركس كذلك لاعتقاده أن قوى الإنتاج هي التي تحدد الوعي الاجتماعي في النهاية؛ ولكن تغير وتطور وسائل وبالتالي قوى الإنتاج لا يحدث إلا نتيجة تقدم الفكر الإنساني ( الوعي الاجتماعي؛ كما يستعمله كارل ماركس), وفي هذا السياق لا يفوتنا أن نذكر تلك المجادلة التي وقعت بين الفكر الماركسي والفكر الفيبري فالأخير يعارض الحتمية الاقتصادية بأن يرجع التغير الاجتماعي لعوامل دينية, أي أن الأفكار الدينية هي التي تحدد الفكر الاقتصادي من خلال دراسته المشهورة الموسومة الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية.

        وعموما لا يمكن إرجاع التغير الاجتماعي والثقافي إلى عامل واحد أو حتى التركيز على عامل أساسي إلى جانب عوامل أخرى, فالواقع يبين أن التغير الاجتماعي يحدث نتيجة تضافر العديد من العوامل, فتطور الاقتصاد وعملية التصنيع على سبيل المثال تحتاج إلى توافر الأيدي العاملة المدربة (عامل ديموغرافي وتعليمي) وتحتاج إلى توافر المواد الخام (عامل طبيعي وجغرافي) وإلى توافر التكنولوجيا وقادة مخلصين, وإلى إيديولوجيا دافعة وموجهة, بحيث تتفاعل مجمل هذه العوامل وتتساند لإحداث التغير. وقد تختلف قوة أحد العوامل تبعا لاختلاف المرحلة والظروف, فليست كلها على الدرجة نفسها من الأهمية والتأثير, لذلك هي تتميز بالنسبية تبعا لاختلاف الزمان والمكان والظروف المحيطة([3]).



        ([1]) محمد أحمد الزغبي, التغير الاجتماعي بين علم الاجتماعي البرجوازي و علم الاجتماع الاشتراكي, الطبعة الأولى, دار الطليعة, بيروت, لبنان, 1987, ص71

        ([2]) محمد أحمد الزغبي, مرجع سابق., ص84

        ([3]) أنظر: عبد الغني عماد, مرجع سابق, ص209

        إعداد: سهام العريفي | الهنوف المعيوف إشراف الدكتورة: هند الأحمد - ppt تنزيل

        • المحور الرابع: عوامل التغير الاجتماعي02

          ث/ العوامل التكنولوجية:

          تتمثل التكنولوجيا في تطبيق ما توصل إليه العلم من نتائج وتظهر في شكل ابتكارات واختراعات, وتعتبر من أهم العناصر الثقافية التي تترك تأثيرا كبيرا في المجتمع إضافة إلى أنها محرك أساسي في التغير الاجتماعي, وقد ارتبطت المبتكرات بالإنسان منذ ظهوره على هذه البسيطة فقد سعى إلى اختراع كل ما من شانه أن يلبي احتياجاته ويسهل عليه معيشته ويوفر له الجهد والوقت, ولذلك فالتغير الاجتماعي يُعاق إذا ما كان هناك ركود في حركة الاختراعات والابتكارات أو وجدت هذه الأخيرة – الابتكارات - معارضة خوفا من بروز ممارسات تخالف العادات والتقاليد الموروثة.

          وعلى الرغم من أن التغير التكنولوجي يصاحبه دائما تغيرا اجتماعيا إلا أن هناك تخلفا نسبيا من الجانب الاجتماعي؛ الأمر الذي يؤدي حدوث توترات واضطرابات وهو ما ينتج ما يسمى الهوة الثقافية أو التخلف الثقافي كما يرى وليام أوجبرن, ذلك أن استعمال الوسائل المبتكرة الجديدة لا يتوقف على كيفية التعامل معها واستخدامها بل يتبع ذلك تغيرا في الممارسات وبالتالي العادات التصورات الفسلفية والقانونية, ويحصر أوجبرن أسباب هذه الهوة الثقافية في:

          -       الرغبة في المحافظة على القديم.

          -       الجهل بالجديد وعدم معرفة طريقة التعامل معه يِدي إلى رفضه ( مثل جهل الكثير من كبار السن لاستخدام وسائل الإعلام والاتصال, الانترنت وتطبيقاتها المتعددة والمتجددة يجعلهم يرفضونها ).

          -       النزعة المحافظة لدى كبار السن وإستاتيكية العادات والتقاليد.

          وما يؤيد هذا الاتجاه ما توصل إليه نمكوف ( Nimkoff ) من نتائج تتعلق بتأثير التكنولوجيا على الأسرة, فقد بين أن الثورة الصناعية هي المسؤولة عن التغيرات الجوهرية التي مست الأسرة في العصر الحديث سواء في أوربا أو باقي الأنحاء الأخرى من العالم, إلى الدرجة أن البعض يرى أن التكنولوجيا مسئولة إلى حد كبير في جعل المجتمعات متشابهة إلى درجة كبيرة؛ متجاوزة ما يحكمها - المجتمعات - من قيم وعقائد, لما توفره من مساحة كبيرة من للحرية الفردية([1]). ولكن النظر للتكنولوجيا على أنها العامل الوحيد والحتمي لإحداث التغير الاجتماعي أمر ليس له أي أساس من الصحة, فقد واجه هذا الاتجاه انتقادات مفادها أن العناصر الثقافية اللامادية كالإيديولوجيات السياسية والاجتماعية تؤدي إلى تغيرات أشمل وأكثر تأثير من الثقافة المادية المتمثلة في جانبها التكنولوجي.

          ج/ العوامل السياسية:

          لم يكن النظام السياسي يلعب دورا في المجتمعات البسيطة ولم يحقق فيها درجة من الاستقلال تمنحه القدرة على الحركة والتأثير، ولقد كانت هذه المجتمعات برمتها مجتمعات (إستاتيكية) بطيئة التغير، ولقد ظهر دور النظام السياسي في التغير الاجتماعي بعد ظهور النظم السياسية المنفصلة عن المجتمع المدني، حيث أصبحت هذه النظم هي التي تشرع لهذا المجتمع وترسم السياسات لتنظيم عملية التغير الاجتماعي وتحاول جاهدة أن تعبأ طاقات المجتمع لتنفيذ هذه الطاقات ولقد أكد معظم الباحثين على الدور الذي يمكن أن يقوم به النظام السياسي في عملية التغير، وحتى الذين يؤكدون على دور العوامل التكنولوجية والاقتصادية لا ينكرون هذا الدور للنظام السياسي ويقوم النظام السياسي في أي مجتمع بوضع إستراتيجية عامة تستهدف تحقيق الرفاهية الاقتصادية وتحقيق الاستقرار والأمن، وكلما حقق النظام السياسي درجة من القوة والتي غالبا ما تقاس بمدى شرعية النظام في إطار المشاركة السياسية ودرجة فاعلية السياسات التي يضعها ومخرجات هذه السياسات بالنسبة للمجتمع، وهكذا يمكن القول بأنه كلما حقق النظام السياسي درجة من القوة كلما استطاع أن يكون فاعلا في إحداث التغيرات الداخلية وضبطها.

          وتندرج التطورات السياسية في نطاق النوع المهم من العوامل المؤدية إلى التغير الاجتماعي في العصر الحالي، حيث كان الصراع بين الدول من أجل تعزيز نفوذها وتنمية ثرواتها وتحقيق النصر العسكري على منافسيها من بواعث التغير، ولقد كان التغير السياسي في الحضارات القديمة يقتصر في العادة على النخب، إذ تحل إحدى العائلات الارستقراطية محل أخرى لتولي السلطة وتدبير شؤون الحكم، بينما تظل أوضاع أغلبية السكان وحياتهم مستقرة نسبيا دونما تغير، ولا يصدق ذلك على النظم السياسية الحديثة حيث تؤثر أنشطة القادة السياسين والمسؤولين الحكوميين على الدوام في حياة الجماهير ومصيرها، كما يؤدي اتخاذ القرارات السياسية على الصعيدين الخارجي والمحلي أكثر مما كان في الماضي إلى تحفيز التغير الاجتماعي وتوجيهه وجهات معينة فعلى الرغم من أن النظام السياسي له دور مهم في عملية التغير الاجتماعي إلا أنه يلعب دورا سلبيا في إحداث التغير ويرتبط ذلك بظرفين:

          • أن يكون النظام السياسي تابعا لنظام سياسي آخر ينفذ سياسته دون أن يراعي المصالح الداخلية للمواطنين أي أن هذا النظام يكون نظاما عميلا متواطئا على شعبه، ولقد سقطت بعض النظم السياسية في العالم الثالث لهذا السبب.
          • أن يكون النظام السياسي نظاما عدوانيا يمارس التهديد العسكري للدول الأخرى أو يبدد ثروات الشعوب في حروب لا طائل من ورائها.
          ح/ العوامل الفكرية والإيديولوجية:

          الإيديولوجية هي مجموعة من الأفكار والمعتقدات والاتجاهات يتبناها مجموعة من الأشخاص؛ تقوم على أساس فلسفي أو عقدي وترتبط بمعطى واقعي اجتماعي وهي حركة هادفة ومحركة لها فعالية في الوسط الاجتماعي والثقافي كما لها انعكاس على التنشئة الاجتماعية, القيم والسلوكيات, ويقود التغير الإيديولوجي جماعة منظمة وتبدأ بالمجال السياسي الذي يؤدي إلى تغيرات في المجالات الأخرى على غرار التغير الاجتماعي.

          ويعتبر كارل مانهايم (  Karl Mannheim) من الذين ربطوا التغير الاجتماعي بالجانب الإيديولوجي, ويستعمل مصطلح طوبى للتعبير عن الأفكار التي تستحضر المستقبل ومصطلح الإيديولوجيا للتعبير على استمرار الحاضر؛ وللتوضيح أكثر فيعتبر أن الليبرالية في القرن الثامن عشر كانت طوبى وفي القرن التاسع عشر أصبحت إيديولوجيا, كما تعكس كتابات ماكس فيبر (Max Weber  ) أهمية العوامل الفكرية والروحية في التغير الاجتماعي؛ ومن أهمها مثلا تلك التي يرى فيها أن الرأسمالية لم تظهر في الصين القديمة لأن الأفكار السائدة لا تدفع ولا تحث على الإنتاج والعمل والادخار والاستثمار, إذ يعتقد ماكس فيبر على عكس ما ذهب إليه ماركس، أن الدوافع والأفكار البشرية هي التي تقف وراء التغير الاجتماعي، وأن بمقدور القيم والمعتقدات أن تساهم في التحولات الاجتماعية([2]), وعلى العموم فالتاريخ البشري مليء بالشواهد التي تثبت أن الكثير من الحركات الفكرية والتي دعت لمبادئ وقيم غيرت من طبيعة العلاقات الاجتماعية والممارسات الثقافية.



          ([1]) وليد عبد الحي، الدراسات المستقبلية في العلاقات الدولية، شهاب للنشر والتوزيع، الجزائر, 1991، ص 125

          ([2]) أنتوني غيدينز, علم الاجتماع, ص: 71

          عوامل التغير الاجتماعي – e3arabi – إي عربي

          • المحور الخامس: نظريات التغير الاجتماعي01

            نظريات التغير الاجتماعي:

            من خلال تراث علم الاجتماع يتبين أن نظريات التغير الاجتماعي ظلت مرتبطة بالتفسيرات الفلسفية للتاريخ, وعلى اختلاف تصنيفات هذه النظريات إلا أن أهم تصنيف ذلك الذي يميز بين النظريات الخطية التي ترى أن حركة المجتمع تتجه في خط واحد؛ والنظريات الدائرية التي تقول بسير الحركة في اتجاه دائري, ويمكن أن نعتبر نظريات كونت وسبنسر وهوبهوس وماركس من أهم النظريات الخطية([1]), كما يمكن أن ندرج نظرية باريتو ( Pareto ) في كتابه ( العقل والمجتمع ) حول دورة الصفوة ضمن النظريات التي تفسر التغير الاجتماعي باتجاه دائري([2]).

            أ/ نظريات التغير الاجتماعي الخطية:

            النظريات الخطية هي تلك النظريات التي تهتم بالتحولات التقدمية المستمرة الموصلة إلى هدف محدد؛ وخلال هذا التحول يمر المجتمع بمراحل ثابتة ومحددة, واختلف أصحاب هذا الاتجاه في تحديد هذه المراحل فمنهم من يركز على عنصر واحد من عناصر الحياة الاجتماعية؛ كالتركيز على العامل الاقتصادي وطائفة أخرى بدل التركيز على عنصر واحد تنظر إلى التطور الكلي في البناء الاجتماعي والثقافي([3]), في الإطار العام لهذه النظرية يفسر أوجست كونت التغير الاجتماعي بأنه محصلة النمو الفكري للإنسان؛ إذ انتقل هذا الأخير من مرحلة الفكر اللاهوتي إلى الأسلوب الميتافيزيقي إلى الأسلوب الوضعي والذي يمثله العلم الحديث, وقد رافق هذا التقدم الفكري نمو أخلاقي وتغيرات في النظم الاجتماعية, إلا أن جهود وتحليلات كونت وجهت لها العديد من الانتقادات ولعل أبرزها تلك المتعلقة بأن كونت لم يقدم أي شواهد يدعم بها أفكاره واستنتاجاته([4]) التي تبقى مجرد آراء وتأملات فلسفية لا ترتقي إلى مرتبة القوانين العلمية المستخلصة باستعمال مناهج صارمة.

            في حين أن سبنسر كان اعتقاده بانتقال المجتمع من حالة التجانس المستقر إلى حالة جديدة تتميز باللاتجانس والاستقرار الأمر الذي جعلته يتلقى انتقادا ورفضا للعديد من التفسيرات التي قدمها؛ على غرار عدم إيضاحه لكيفية ترتيب المجتمعات التي تناول دراستها([5])، وبالنسبة لنظريته حول التغير الاجتماعي فقد كانت أكثر شمولا وعلمية لاعتماده على مشاهدات ووقائع ميدانية؛ الأمر الذي جعله – سبنسر – يدرك أن التغير الاجتماعي يتأثر بالعديد من العوامل ومن الصعب بيان التطور في كل مجتمع لوحده, كما أنه أعتبر أن أهم ملامح التغير الاجتماعي تظهر من خلال تزايد التباين الوظيفي في المجتمع, وعلى الرغم من الإضافات التي قدمها إلى من سبقوه في ما يتعلق بتفسير التغير الاجتماعي([6]).

            أما هوبهوس وعلى الرغم من تأثره بكل من كونت وسبنسر إلا أن نظريته حول التغير الاجتماعي كانت أكثر إحكاما وصرامة, ذلك أنه استعمل بيانات تاريخية وأنثروبولوجية بطريقة علمية دقيقة؛ ولم يمنعه هذا من أخذ فكرة كونت حول تطور العقل البشري؛ ولكنه رفض وضعيته الصارمة واستبدلها بسيكولوجية طبعت أفكاره في ما يتعلق بفهم وتفسير العديد من الجوانب التي أهملها كونت, إضافة إلى أخذه لفكرة التطور الاجتماعي في إحدى جوانب والمتعلقة بزيادة الحجم والتعقد والتباين الداخلي, وعموما فمفهوم هوبهوس حول التغير الاجتماعي يتلخص في تطور العقل يؤدي إلى تطور اجتماعي([7]).

            وتندرج نظرية كارل ماركس حول التغير الاجتماعي ضمن نظريات التغير الاجتماعي الخطية؛ وقد اعتمد فيها – النظرية - على عنصرين يتمثلان في قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج ويدور التصور الذي وضعه ماركس حولهما؛ إذ يرى أن كل مرحلة تصطبغ بنوعية قوى الإنتاج السائدة في المجتمع ذلك أنها تحدد طبيعة العلاقات التي تميز الطبقة المالكة لوسائل الإنتاج ( المستغِلة ) والطبقة الخاضعة لوسائل الإنتاج ( المستغَلة )، ولكن هذا الحالة لا تستمر طويلا لأن وسائل الإنتاج في تطور دائم وبالتالي فتطورها يؤدي إلى تغيير علاقات الإنتاج, لأن الطبقة العاملة ( البروليتاريا ) تسعى إلى تغيير هذه العلاقات والإطاحة بأسلوب الإنتاج القديم وإقامة نظام اجتماعي جديد([8]).

            ب/ نظريات التغير الاجتماعي الدائرية:

            إذا كانت نظريات التغير الاجتماعي الخطية قد استطاعت أن تعالج أهم التغيرات في التاريخ البشري؛ على غرار نمو المعرفة وتزايد حجم المجتمعات ودرجة تعقدها وقضايا المساواة والسياسات الاجتماعية, فإن النظريات الدائرية في التغير الاجتماعي عالجت نواحي أخرى مختلفة تماما عن ما تم التطرق له من قبل النظريات الخطية, ومن تلك القضايا دور صراع الجماعات من أجل الحصول على القوة السياسية في إحداث التغير الاجتماعي, فقد توصل باريتو من خلال ذلك إلى أن هناك فترات تمر بها المجتمعات تبدأ بفترة الحكم القاسي على يد الطبقة المنتصرة حديثا؛ ثم فترة الحكم المعتدل على يد طبقة الصفوة الآخذة في التدهور, وتركز نظرية باريتو حول دورة الصفوة على نزعة عنصرية بافتراض وجود فروق بيولوجية بين الجماعات في المجتمع, وأهم ما يوجه لبريتو من انتقاد عدم اعتماده على شواهد كافية يستطيع من خلالها الوصول إلى نتائج مقبولة ذلك أنه اعتمد فقط على حالة واحدة – روما القديمة -, بالإضافة إلى تجاهله لنظم الحكم الديمقراطية في العصر الحديث في تتبعه للتغيرات السياسية([9]).

                   فبالإضافة إلى نظرية باريتو فقد قدم كل من سوروكين ( Sorokin ) وتوينبي (Toynbee) نظريات يمكن إدراجها ضمن النظريات الدائرية, فعلى الرغم من تسليم سوروكين بوجود عمليات خطية للتغير الاجتماعي؛ إلا أنه في نفس الوقت يرى بوجود عمليات دائرية أخرى تحدث في المجتمعات إذ يرى أن المجتمعات تمر بدورات تتميز كل منها بثلاث أنماط ثقافية عامة تباعا؛ تتمثل في النمط التماثلي ثم المثالي وأخيرا الحسي، أما توينبي فنظريته حول التغير الاجتماعي فقد كانت ذات طابع دائري خاصة لدى تناوله لمفهوم نمو الحضارات. وعلى الرغم من عديد الإسهامات التي قدمها علماء الاجتماع في إطار النظريات الخطية والدائرية والتي فسروا بها التغير الاجتماعي إلا أنهم لم يستطيعوا أن يقدموا إلا جزء يسيرا من تحليل عمليات وعوامل التغير الاجتماعي، ويمكن أن نستثني ماركس وسوروكين لقدرتهما على تقديم تحليل تفصيلي ومستفيض حول موضوع التغير الاجتماعي, وهذا لا يعني أنهما قد وصلا إلى وضع نظرية شاملة ومقبولة تلقى الإجماع على الأقل لدى معاصريهم([10]).

            ولكن وعلى الرغم من تعدد النظريات التي فسرت التغير الاجتماعي, واعتماد الكثير من علماء الاجتماع عليها في تحليلاتهم وفهمهم لظاهرة التغير الاجتماعي؛ إلا أن هناك من يرى عدم جدواها في القيام بهذه المهمة ولعل فجي باجوا من بين هؤلاء, إذ يطرح في كتابه ( علم الاجتماع العلائقي ) نقدا لاذعا لعلم الاجتماع الكلاسيكي بل ويرى ضرورة إعادة النظر فيه؛ كما يؤكد على أن النماذج والنظريات وكذا المفاهيم التي يقترحها علم الاجتماع لها ارتباط بالنموذج الصناعي الذي كان سائدا في القرن التاسع عشر, ومن ثمة فهي غير صالحة وغير ملائمة لدراسة التغير الاجتماعي الحالي, ذلك أن التحول الحالي الذي عرفته المجتمعات المعاصرة مس بالنموذج الثقافي الصناعي الموروث عن القرون الماضية([11]).  



            ([1]) محمد علي محمد وآخرون, مرجع سابق, ص47

            ([2]) نفس المرجع, ص53

            ([3]) أحمد زايد واعتماد علام, مرجع سابق ص46

            ([4]) محمد علي محمد وآخرون, مرجع سابق, 48

            ([5]) نفس المرجع, 48-49

            ([6]) إبراهيم عطاري، أثر التغير الاجتماعي و الاقتصادي على التغير الأسري في الجزائر, رسالة دكتوراه, جامعة سعد دحلب, البليدة, الجزائر 2011, ص121

            ([7]) محمد علي محمد وآخرون, مرجع سابق, 51

            ([8]) نفس المرجع, 52

            ([9]) محمد علي محمد وآخرون, مرجع سابق, 53

            ([10]) نفس المرجع, 54-55

            ([11]) حمدوش رشيد, مرجع سابق, ص41

            مفهوم التغير الاجتماعي - موضوع

            • المحور السادس: نظريات التغير الاجتماعي02

              ت/ مداخل نظرية أُخرى:

              وعلى الرغم من اعتماد كثير من باحثي وعلماء الاجتماع على التقسيم السابق للنظريات المفسرة للتغير الاجتماعي – خطية ودائرية – إلا أن ريتشارد ابيلبام (Richard p.Appelbaum) كان له رأي آخر فقد قسم النظريات التي عالجت التغير الاجتماعي إلى أربعة مداخل([1]):

              • مدخل التطور: والذي يرى أصحابه أن التغير يحدث تراكميا بطريقة هادئة, ويكون خطيا في اتجاه التعقيد واللاتجانس.
              • مدخل التوازن: تولي نظريات هذا المدخل للاستقرار أهمية أكبر من التغير, فلا تتطرق إلى التغير الاجتماعي إلا كمسبب ظرفي للشروط التي تعمل على إعادة التوازن الاجتماعي.
              • مدخل الصراع: ويعتمد هذا المدخل على فكرة أن التغير الاجتماعي هو جزء من النظام الاجتماعي, وتركز على الشروط التي تدفع إلى عدم الاستقرار على عكس مدخل التوازن.
              • مدخل الارتفاع والسقوط: تعتمد نظريات الارتفاع والسقوط على فكرة أن التغير لا يسير حتما بصورة خطية, فالمجتمعات والثقافات تنمو وتتراجع.

              في حين يرجع أنطوني غيدنز ( Anthony Giddens ) كل النظريات التغير الاجتماعي إلى مدخلين فقط; يتمثلان في المادية التاريخية والتطور الاجتماعي([2]). ذلك أن المادية التاريخية والتي تبنى فيها كارل ماركس الصراع الاجتماعي هي أساسا نظرية في التغير الاجتماعي, وكل النظريات التي جاءت بعدها تحاكيها (الصراع الاجتماعي) ولكن مع اختلاف في بعض التفاصيل. أما بالنسبة للتطور الاجتماعي فيرى نقولا تيماشيف (Nicholas Tamachiv) أن المادية التاريخية ما هي في الواقع إلا نظرية تفسر التطور الاجتماعي, مع فرق أن ماركس لم يستعمل في معالجته للتغير الاجتماعي من خلال نظرية الصراع فكرة التكيف؛ لذلك لا يرى أن التغير يحدث بطيئا بل في شكل تحولات ثورية([3]).

              ث/ نظرية الصراع والتغير الاجتماعي:

              يخضع ماركس التفاعل الاجتماعي بين العمليات البنائية الأساسية للنظام الرأسمالي لقوانين تتجاوز الاختيار الفردي, ما يعني أن كل نظام ينتج آليا وحتميا نظام آخر خارج إرادة البشر, وبذلك فإن التحليل الماركسي يرى أن الحركة الاجتماعية ليست فقط خارجة عن نطاق الإرادة البشرية بل تُفرض حتميا على الإنسان([4]).

              ج/ نظرية التطور الاجتماعي والتغير الاجتماعي:

              لا شك أن نظرية التطور الاجتماعي تتفق والمادية التاريخية في أن التغير الاجتماعي خارج عن نطاق الإرادة البشرية, وما يؤكد ذلك هو أن هربرت سبنسر يرى أن علم الاجتماع هو العلم الذي يوضح عدم تدخل الإنسان في العمليات الطبيعية التي تجري في المجتمع, بمعنى أن الطبيعة هي التي تقرر للإنسان, لذلك كان تفسير التطور الاجتماعي للتغير الاجتماعي يقوم على المماثلة بين عمليات التطور البيولوجي وبين تطور المجتمعات الإنسانية, بالانتقال من البسيط إلى المركب بالتكيف مع الطبيعة, ولأن الكائنات الأكثر تعقيدا أقدر على التكيف فالمجتمعات الإنسانية الأكثر تعقيدا هي المجتمعات الأقوى والأطول بقاء مقارنة مع المجتمعات الأخرى([5]).

              ح/ النظرية الانتشارية والتغير الاجتماعي:

                     خرجت المدرسة الانتشارية من المذهب التطوري, لكن هذه المدرسة لا تدرك الواقع الإنساني ككل وترى أن التطور الاجتماعي لا يحدث إلا في بعض الأجزاء (السمات), وأن المجتمعات مختلفة تمام الاختلاف عن بعضها؛ فلكل مجتمع ثقافة مميزة يمكن أن تنتقل بواسطة وسائل الاتصال الحضاري إلى مجتمعات أخرى، كما ركزت على العلاقات بين المجتمعات كمصدر للتغير الاجتماعي الداخلي([6]), ولعل أبرز ما وجه لهذه المدرسة من انتقادات هو تناولها للمجتمع الكلي كوحدة للدراسة, وبالإضافة لانتقائها للوقائع التي تخدم فروضها من الأخطاء المنهجية المعابة على هذه المدرسة.

              خ/ الاتجاه البنائي الوظيفي والتغير الاجتماعي:

                     تخلى الاتجاه البنائي الوظيفي عن فكرة فهم المجتمع من خلال ربطه بتاريخه والمراحل التاريخية التي مر بها؛ إذ يرى أصحاب هذا الاتجاه أن فهم المجتمع يكون من خلال ظروفه الراهنة وكذلك من خلال العلاقات بين مكوناته, وبالنسبة للتغير الاجتماعي فهم يرونه تغيرا توازنيا تدريجيا لا يؤدي إلى هدم البناء الاجتماعي أو تحوله وإنما يؤدي إلى استمراره في حالة متكاملة ومتوازنة, وما يُلاحظ من تبدل إنما يكون في شكل إضافات في الحجم وتباين في المكونات([7]), ولذلك فهذا الاتجاه أهمل تتبع سمة أو نظام معين في تفسير التغير الاجتماعي وركز على المقارنة بين المجتمعات, وسيظهر لنا عبر تناولنا لإسهامات بعض أصحاب هذا الاتجاه أهم عناصر وأفكار وافتراضات هذا الاتجاه.

                     ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن الاتجاه الوظيفي لم يرفض الاعتماد على التاريخ كلية؛ فالوظيفيون يلجؤون إليه بصفة مستمرة لتحديد بدايات التغيرات وأسبابها وأحجامها كما يوفر لهم التاريخ معرفة طبيعة البناء قبل حدوث التغيرات، لكي يسهل عليهم التعرف على أسبابها وآثارها على بناء النسق, بمعنى أن الاتجاه الوظيفي لا يهتم بتتبع أصل النظام وتطوره بقدر ما ينصب اهتمامه على طبيعة تكوين البناء في مرحلة معينة؛ لتكون نقطة مرجعية لأي تغير يحدث من حيث الحجم والتأثير([8]).



              ([1]) حنان محمد عبد المجيد، مرجع سابق, ص38

              ([2]) حنان محمد عبد المجيد، مرجع سابق, ص38

              ([3]) نيقولا تيماشيف, مرجع سابق, ص87

              ([4]) حنان محمد عبد المجيد، مرجع سابق, ص40

              ([5]) حنان محمد عبد المجيد، مرجع سابق, ص41

              ([6]) نفس المرجع, ص42

              ([7]) أحمد زايد واعتماد علام, مرجع سابق ص51

              ([8]) علي ليلة وآخرون, التغير الاجتماعي والثقافي, الطبعة الأولى, دار الميسرة للنشر والتوزيع, عمان, الأردن, 2010, ص82

              نظرية الصراع في التغير الاجتماعي, إن نظرية الصراع الاجتماعي هي نظرية  اجتماعية مبنية

              • المحور السابع: نظريات التغير الاجتماعي03

                د/ النظريات التطورية المحدثة والتغير الاجتماعي:

                       تعتبر النظريات التطورية المحدثة أكثر النظريات الاجتماعية التي اهتمت بالتغير الاجتماعي أوائل منتصف القرن العشرين, وركزت على دور الاحتكاك الحضاري والاتصال في التغير الاجتماعي, وتعرف بالنظريات التحديثية وجاءت من أجل تجنب الانتقادات التي وجهت للنظرية التطورية الكلاسيكية, وكان اهتمامها منصبا على عوامل التخلف ومعيقات التنمية مركزة على البناء الاجتماعي للمجتمعات المتخلفة, وظهرت منتصف القرن العشرين في الولايات المتحدة الأمريكية, ولقد أستلهمت أفكارها من المبادئ التي وضعها ماكس فيبر في علم الاجتماع الديني، لذلك ترتبط هذه النظريات – التحديثية – بمفهوم التغريب, ويفسر ايزنشتات ( Eisenstadt ) التحديث بأنه عملية تحول أي نمط كان إلى تلك الأنماط السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تطورت في أوربا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر([1]).

                وأهم ما يميز هذه النظريات هو نظرتها للدين, فأغلب محللي هذه النظرية لا يعطون أهمية للدين ولا يرون أي دور اجتماعي له, ولكن يختلفون فيما بينهم فمنهم من يرى لزوم اختفائه تمام من الحياة الاجتماعية (علمنة مطلقة) لتحقيق التقدم لأنه يعيقه كما هو الشأن بالنسبة لدونال يوجين سميث ( Donal Eugene Smith ), ومنهم من يحصر دور الدين في الأمور الروحانية ويبعده عن شوؤن الحياة العامة حتى لا يعيق التحديث([2]).

                       وتأكيدا لما سبق يرى تالكوت بارسونز أن العالم المتخلف يمكن أن ينمو ويتطور بنقل الأفكار والقيم من الغرب, وكذلك بالتصنيع فمن شأن هذا الأخير أن يزيح العقبات التقليدية فأسلوب جديد في الصناعة يتبعه أسلوب جديد في الحياة, ما يعني أنه سيصبح غربيا بطبيعته([3]).

                       وانطلاقا من الأفكار السابقة قام علماء الغرب بتحليل المجتمعات المتخلفة, وربطوا التقدم بالتحديث (التغريب), ورسموا خطا حتميا للتغير الاجتماعي ينتهي إلى صورة المجتمع الصناعي الغربي([4]).

                       ويضيف ليرنر ( Lerner ) في التفريق بين المجتمعات المتطور والمجتمعات التقليدية أن التحديث مرتبط بتقبل الأفكار الجديدة والتكنولوجيا, والمجتمع العصري يقيس أي شيء دائما بمقاييس مادية بعيدا عن أي عاطفة أو ميول أو التزام ديني أو سياسي, في مقابل أن المجتمعات التقليدية مجتمعات مرتبط بشكل كبير بقيمها الدينية والقبلية؛ مما يجعل هذه الأخيرة راكدة ومتحجرة عكس المجتمعات الغربية العصرية العلمانية فهي مجتمعات متغيرة ومتحركة([5]).

                       وكإسقاط هذه النظرية على الواقع يتخذ ليرنر تركيا ما بعد كمال أتاتورك نموذجا يفسر به أن العلمانية ظاهرة عالمية, وليست مقتصرة على أوربا فقط أي بإمكان أي مجتمع يتعلمن أن يتقدم ويتطور فالعلمانية شرط ضروري ولازم للتطور([6]). في هذا التفسير يظهر تيرنر متأثرا بتحليل ماكس فيبر للتغير الاجتماعي في المجتمعات الإسلامية, فمحور تصور فيبر للمجتمع الإسلامي يتمثل في المقابلة بين الطابع العقلاني والمنظم للمجتمع الغربي خاصة في ميدان القانون والعلوم والصناعة وبين الأوضاع التعسفية وعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي في الحضارات الشرقية وبالذات في الإسلام, ويكرر فيبر في إجرائه لهذه المقابلة بين الشرق والغرب ولكنه يتوسع أيضاً في وجهة النظر المتعلقة بالاختلافات الشرقية والغربية والتي كانت شائعة لدى علماء السياسة والفلسفة والاقتصاد الذين كانوا يعتقدون بوجود فرق شاسع بين أوربا الإقطاعية والاستبداد الشرقي وأن الأخير قد مهد لظهور ظروف اقتصادية جامدة قاتلت ضد نمو الرأسمالية([7]).

                       ولأن نظريات التحديث في تحليلها للتغير الاجتماعي في المجتمعات التقليدية – كما تصفها - لم تأخذ ثقافة المجتمعات التقليدية وإطارها التاريخي والاجتماعي في الحسبان فقد تعرضت للانتقاد والرفض, وخاصة في سبعينيات القرن الماضي – القرن العشرين – حيث ظهرت اتجاهات لفحص الكثير من الفرضيات والأفكار التي كانت تقوم عليها؛ لم يأتي هذا الانتقاد من المجتمعات المتخلفة (التقليدية) فقط وإنما جاء من داخل دول أوربا الغربية وحتى الولايات المتحدة الأمريكية, من خلال الكثير من الدراسات الموجهة لدول العالم الثالث([8]).

                       ولعل أهم الاتجاهات التي تصدت للنظريات التحديثية الاتجاه النقدي في علم الاجتماع, الذي كان تعبيرا على الحركات الطلابية وانتفاضات الأقليات العرقية في الولايات المتحدة الأمريكية([9]), وعموما كانت الحركة النقدية ردا على التغيرات البنائية والفكرية التي عرفتها أوربا الغربية نهاية الستينيات ما جعل النظرية الاجتماعية تفك ارتباطها عن قيم وافتراضات سوسيولوجي الغرب, الذين حاولوا من خلالها تكريس هيمنة العالم الغربي على بقية المجتمعات والشعوب, وإلصاق كل مظاهر التخلف والتأخر بهذه الأخيرة, لتبرير السيطرة والاستعمار, إذ استعمل العلم عموما وعلم الاجتماع خصوصا لخدمة القوى السياسية المسيطرة([10]).

                       ويعتبر جون ركس كواحد من العلماء الاجتماعيين الذين تصدوا للكثير من منطلقات منظري التحديث, إذا يرى مثلا أن المحافظة على القيم والمعتقدات التقليدية في مجتمعات العالم الثالث يمكنه أن يصل بها إلى التقدم ومواكبة ركب الحضارة الغربية ربما أفضل من تبنيها لأفكار وقيم العالم الغربي المتقدم, الذي بدأت نُظمه الاجتماعية والسياسية في الانهيار, كحال النظام الرأسمالي والنظام الشيوعي الاشتراكي([11]).

                       وهناك من العلماء من يذهب بعيدا في نقد نظرية الحداثة, فآلان تورين (Alan Turin ) يرى أن هذه النظرية معادية للإنسانية, لأن استبعاد نظرية الحداثة للمبادئ الأخلاقية والدينية واستبدالها بالعقلنة والعلمنة والنفعية (البراغماتية) مخالف لطبيعة الإنسانية([12]).



                ([1]) نبيل توفيق السمالوطى, الدين والتنمية فى علم الاجتماع, مكتبة المعارف الحديثة, الاسكنديرة، مصر, الطبعة الأولى, 1992, ص28

                ([2]) براين تيرنر, علم الاجتماع والإسلام دراسة نقدية لفكر ماكس فيبر, ترجمة الدكتور أبو بكر احمد, دار القلم, بيروت, لبنان, الطبعة الأولى, 1987, ص222

                ([3]) نصر محمد عارف, نظريات التنميه السياسيه المعاصره: دراسه نقديه مقارنه في ضوء المنظور الحضاري الاسلامي, المعهد العالمي للفكر الإسلامي, فرجينيا, الولايات المتحدة الأمريكية, 1981, ص238-239

                ([4]) حنان محمد عبد المجيد، مرجع سابق, ص49

                ([5]) براين تيرنر, مرجع سابق, ص224

                ([6]) نفس المرجع, ص227

                ([7]) نفس المرجع, ص150

                ([8]) نبيل توفيق السمالوطى, الدين والتنمية في علم الاجتماع, مكتبة المعارف الحديثة, الإسكندرية، مصر, الطبعة الأولى, 1992, ص29

                ([9]) أحمد زايد, علم الاجتماع بين الاتجاهات الكلاسيكية والنقدية، دار المعارف، القاهرة, الطبعة الأولى, 1981, ص256

                ([10]) نفس المرجع, ص369

                ([11]) نفس المرجع, ص393

                ([12]) آلان تورين، نقد الحداثة، ترجمة أنور مغيث, الهيئة العامة لشوؤن المطابع الأميرية, القاهرة, مصر 1998, ص23

                قراءات نظرية: التغيير السياسي ـ المفهوم والأبعاد - المعهد المصري للدراسات

                • المحور الثامن: نظريات التغير الاجتماعي04

                  ذ/ نظريات ما بعد الحداثة والتغير الاجتماعي:

                         لصعوبة تحقيق مفاهيم نظريات الحداثة كالعالمية والحتمية الأحادية والتجزئية على أرض الواقع, بات واضحا أن هذه النظريات لم تعد قادرة على تفسير الواقع الاجتماعي حتى في أوربا أو في الولايات المتحدة الأمريكية نفسها؛ لذلك طرحت نظريات ما بعد الحداثة كبديل اعتمدت على مفاهيم الثقافية, الفعل الاجتماعي, علم الاجتماع التاريخي, ويعتبر فوكو ( Foucault ) أول من رأى أن الإنسانية قد دخلت إلى عصر جديد وهو عصر ما بعد التصنيع أو ما بعد الحداثة من خلال أعماله التي ظهرت سنة 1977, وأهم ما تتميز به نظريات ما بعد الحداثة قابلية التكيف, المرونة وتعدد الاتجاهات والتركيز على الاختلافات بين المجتمعات. في مقابل ما كانت تتبناه نظرية التحديث من أفكر ومنطلقات تمثلت في الصرامة والتركيز على العالمية([1])؛ ولكن هناك من يعتبر ما بعد الحداثة مجرد ميزات لمرحلة تاريخية معينة خالية من أي جديد من الافتراضات والأفكار وليس لها مبادئ وأفكار مركزية أصيلة([2]), والتي يمكن أن تميزها عن النظرية التحديثية.

                    لذلك يرى بعض المهتمين أن نظريات ما بعد الحداثة وقعت في العديد من الإشكاليات والتناقضات, وما يبرر ذلك هو أن هذه الأخيرة – ما بعد الحداثة – تستعمل في تحليلاتها وتفسيراتها مفاهيم وافتراضات هي في الأصل خاصة بنظريات التحديث, وبعيدا عن الانتقادات الموجهة لما بعد الحداثة, فانتشار أفكار ومفاهيم هذه الأخيرة أكبر دليل على فشل نظرية التحديث في فهم وتفسير الواقع الاجتماعي عموما والتغير الاجتماعي على وجه الخصوص, فلقد حاول اتجاه ما بعد الحداثة أن يزيل فكرة العالمية التي تبنتها النظرية النقدية, وذلك بمراجعة المنطلقات الفلسفية والثقافية التي قامت عليها افتراضات النظرية التحديثية, التي كانت قوام القرن العشرين ( الذي وصف بقرن الكارثة أو الانحطاط – طبعا من ناحية التفسير العلمي للواقع - )([3]). مما استدعى الحاجة إلى نسق فكري بديل يمكّن من تفسير أفضل للوقائع الاجتماعية, على غرار التغير الاجتماعي.

                  ر/ التغير الاجتماعي بين ماركس وفيبر:

                  يتفق كل من كارل ماركس وماكس فيبر في أن الطابع القهري للنظام الاجتماعي هو الميزة الأساسية في المجتمع، ونقطة الاختلاف بينهما في حدود هذا القهر, فكارل ماركس ربطه بطبقة البروليتارية أما ماكس فيبر فيرى أن القهر يشمل كل المجتمع, وكان كارل ماركس يرى أن التغير الراديكالي الثوري هو الكفيل بإزالة التناقضات التي تعتري المجتمع, مبينا أن المجتمع الشيوعي هو الأنسب للحلول مكان المجتمع الرأسمالي المتناقض؛ في حين قدم فيبر الديمقراطية كبديل للنظام البيروقراطي الذي يحاصر الإرادة البشرية, وفي هذه النظرة يختلف فيبر عن ماركس في أن الأول لا يرى ضرورة للتغير الكلي بل إن تغير بعض جوانب النظام كفيل بإزالة هذا القهر([4]).

                  من جانب آخر يظهر الفرق بين نظرة كل من ماركس وفيبر للتغير الاجتماعي في المسبب الرئيسي لهذا الأخير, فإذا كان ماركس يؤكد على دور البنية التحتية في تغيير البنية الفوقية أي أن المؤثرات الاقتصادية هي التي تحدد التغير الاجتماعي([5])، فعلى العكس من ذلك يربط فيبر التغير الاجتماعي بالقيم الدينية ولقد توصل إلى هذا الفرض من خلال دراسته التي تناولت علاقة الأخلاق البروتستانتية بروح الرأسمالية([6]), ولكن كارل ماركس يدحض هذا الاعتقاد بتأكيده أن المصالح الشخصية للأغنياء هي التي طورت الرؤية الدينية التي بررت الواقع وكرست عدم المساواة, وليس العكس أي القيم الدينية هي التي أوجدت الواقع([7]).

                  ز/ تالكوت بارسونز والتغير الاجتماعي:

                  لا بد من الإشارة إلى أن تالكوت بارسونز ظهر في تناوله للتغير الاجتماعي متأثرا بأفكار ماكس فيبر, وخاصة أن هذا الأخير أفترض أن النموذج الصناعي الأوربي يمثل النموذج المثالي وهذا ما ذهب إليه بارسونز([8]).

                  ويعتقد تالكوت بارسونز أن التغير الاجتماعي يرتبط بعوامل شاملة أطلق عليها العموميات التطورية, مركزا على الاتصال كأحد العوامل الرئيسية التي تحدد ثقافة المجتمع وتغيره, وبالتالي انتقاله من حالة إلى أخرى, ويضيف بارسونز إلى عامل الاتصال ثلاثة عوامل أخرى تتمثل في الدين, القرابة والتكنولوجية والتي يرى أن أي تغير لا يتم بدونها, ثم أنه يؤكد على أن التغير يحدث في المؤسسات الاجتماعية, أي أن التباين في هذه الأخيرة (المؤسسات الاجتماعية) عبر الزمن هو الذي نصفه بالتغير الاجتماعي, وأهم مساهمات بارسونز في مجال التغير الاجتماعي تقسيمه لمراحل التطور الاجتماعي الإنساني إلى ثلاثة مراحل هي مرحلة المجتمعات البدائية التي تتطور إلى المجتمعات المتوسطة ثم إلى المجتمعات الصناعية التي يعتبرها قمة التطور الاجتماعي, لما تتميز به من وضوح الأنساق الاقتصادية والسياسية المنفصلة عن بعضها البعض, وكذا النسق القانوني عن الديني([9]).



                  ([1]) حنان محمد عبد المجيد، مرجع سابق, ص55

                  ([2]) آلان تورين، مرجع سابق, ص134

                  ([3]) حنان محمد عبد المجيد، مرجع سابق, ص56

                  ([4]) نفس المرجع, ص45

                  ([5]) أنتوني غدنز، علم الاجتماع, ترجمة فايز الصياغ, مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت, لبنان, الطبعة الرابعة, 2005, ص 69

                  ([6]) أنتوني غدنز،مرجع سابق, ص 71

                  ([7]) حنان محمد عبد المجيد، مرجع سابق, ص46

                  ([8]) نفس المرجع, ص45

                  ([9]) حنان محمد عبد المجيد، مرجع سابق, ص44

                  الفرق بين التغير والتغيير

                  • المحور التاسع: معوقات التغير الاجتماعي

                    هناك عدة عوامل سوف نتناولها تعمل كمعوق للتغير ومن بينها([1]):

                    أ/ المصالح المستقرة:

                    ويعني هذا أن التغير تقاومه جماعة أو أفراد تخشى على سلطتها من الفقدان أو ثروتها من الاندثار أو الضياع إذا حدث داخل المجتمع تغيرا ما، فالعقبة العملية أمام أي تغير هي معارضة التجديد بواسطة جماعات قوية منظمة تخشى من الخسارة من التغير ومثل هذه الجماعات تسمى أصحاب المصالح المستقرة؛ ويحتاج البيان الواقعي لمصادر مقاومة التغير الاجتماعي إلى إبقاء واستمرار المصلح المستقرة.

                    ومن هذا التعريف يمكن اعتبار كل شخص في هذا العالم صاحب مصلحة بدءا من الأغنياء وصولا إلى الفقراء، فالمحامي مثلا الذي يترافع في قضايا الطلاق وما شابه ذلك صاحب مصلحة في أن لا يتغيروا يتم إصلاح قوانين الطلاق وكذلك الأطباء يقاومون اكتشافا طبيا معينا لأنه يتعارض مع مصالحهم المستقرة وقس على ذلك من الأشخاص حيث يقول ريتشارد لبيير" انه لا يوجد إنسان يقبل التغير يحطم قيمة المهارات والمعرفة التي اكتسبها وان المطالب التي يحصل عليها هي تعقيد للمهارات الجديدة والمختلفة إذ تمسك بما يملكه. وهكذا في كثير من الأحوال فان الذين يجب أن يتبنوا ابتكارا جديدا يحددون أنهم بمرور الزمن سيخسرون الكثير بهذا التبني.

                    ب/ مصالح المكانة:

                    التغير سوف يؤثر على مكانة بعض الأفراد في المجتمع فعندما تصبح مكانتهم في خطر يبدأ تحركهم لمقاومة هذا التغير حيث انه في اغلب المجتمعات وعلى مر الزمان يقوم الفرد بترقية مكانته داخل المجتمع حيث يصل إلى رقي اجتماعي معين، لكن في المجتمعات السريعة التغير لا يكون للخبرة أي اثر أو قيمة فتتهدد قيمة هؤلاء الأفراد ونتيجة لهذا فهم يقاومون هذا التجديد في الأفكار والابتكارات الحديثة فالسن لم يعد له ارتباط بالمكانة الوظيفية فالأعمال الحديثة تفضل استخدام الشباب المتعلمين تعليما عاليا واستبدال المهارات التقليدية بالآلات الحديثة.

                    ت/ الطبقة الاجتماعية:

                    إن أنماط الطبقة والطائفة الصارم يميل عموما إلى تعويق قبول التغير وبالرغم من ذلك فان هناك طبقات اجتماعية معينة تميل إلى أن تتفاعل مع التغير وتحول مجراه بطرق مختلفة، ففي المجتمعات الطبقية فان المتوقع من الأفراد أن يطيعوا أوامر من هؤلاء الذين يشغلون الأوضاع العالية سواء في السلطة، ولا يقبلون التغير الذي يطيح بمقامتهم وسلطتهم.

                    ث/ المقاومة الإيديولوجية:

                    لعل من أوضح المقاومات ضد التغير تتجلى في الجانب الإيديولوجي وأهم رجال المقاومة هم رجال الدين خاصة فيما يتعلق بتحديد النسل أو تنظيم الأسرة مثلا وعموما فان المفاهيم العقلية والدينية وتفسيراتها بالنسبة للقوة القائمة والرعاية والأخلاق والأمن تميل إلى اسمرار على نفس الوتيرة والى معارضة التغير.

                    ج/ تضامن الجماعة:

                    يتجلى في المجتمعات الريفية والشعبية شعور قوي بالتماسك والتضامن وينعكس على الروابط المتبادلة داخل نطاق الأسرة والصداقة، التضامن بلا شك هو شيء مفضل لدى الجماعات الصغيرة، وبالتالي فهم ينقدون أي شخص يحيد عن المبادئ المألوفة وعندما يكون أفراد المجتمع في نفس المستوى الاقتصادي وخاصة الرخاء فأنهم يميلون بوجه عام إلى إبقاء المجتمع على مل هو عليه والحفاظ عليه.

                     

                    ح/ السلطة:

                    إن السلطة في كثير من المجتمعات أهم العوامل الفاعلة في التغير، إلى انه في كثير من المجتمعات تبدو كمؤسسة لم تتم بصورة كافية لكي تقود قرارات الجماعة وتوجهها من اجل القيام بمتغيرات ضخمة فغالبا ما يكون الشخص الذي يتحدث عن مشروع فكرة معينة أو تبرع بخدمات محلا للنقد أكثر مما يمتدح على هذه الخدمة أو المشروع وقد يشك في محاولته لانتهاز الفرصة لأجل مكاسب شخصية.

                    خ/ الخوف من المجهول:

                    هو عامل ينتج عن المقاومة الأولية لأي تجديد فهو الخوف من المجهول أو غير المألوف أو المعتاد فمثلا بعض الأفراد إن لم نقل المجتمعات لا تستخدم الطائرة خوفا منها،
                    ويفضلون السفر بالسيارة رغم نسبة الحوادث التي تسجل في السيارة أكثر منها في الطائرة؛ وبهذا يعتبر الخوف من المجهول أحد العوامل مقاومة التغير.

                    د/ الآراء الأخلاقية:

                    إن التغير غالبا في نظر المجتمعات يعكس خوفا على المقدسات الأخلاقية فيهم فينتج مقاومة شديدة إذا تعارض هذا التغير مع الأخلاق السائدة إن من الضروري الإبقاء على الأخلاق السائدة فمثلا الكثير من المجتمعات تعارض تحديد النسل أو منع الحمل لأنه تعدي على قداسة وحرية الحياة، حيث أن الكثير من أشكال المقاومة تتأتى من التمسك بالقيم الأخلاقية والجمالية المعتادة والمألوفة، فهناك الكثير من الابتكارات والاختراعات تعرضت للمقاومة لأنها في نظرهم تحرمهم من الأصوات والروائح والمناظر التي اعتادوا عليها.

                     

                     

                    ذ/ تحكيم العقل:

                    وهنا يظهر لنا أن مقاومة التغير تنشأ من أسباب معقولة تظهر نتائجها أضرار قد تمس أو تضر النسق الاجتماعي السائد وتكون نتائجه غير عملية، وأحيانا تكون الأسباب المنطقية والعقلية للمعارضة هي أي شيء إلا أن تكون أسباب منطقية فعندما كانت معارضة السرعة التي يسير بها القطار لا تتجاوز 30 ميلا على أنها تضر بالإنسان ولا يستطيع تحمل هذه السرعة إلا انه اثبت بعد مرور الزمن أن الإنسان تحمل أضعاف هذه السرعة.



                    ([1]) سناء الخولي، التغير الاجتماعي والتحديث، دار المعارف الجامعية، 2003، ص 138

                    معوقات التغير الثقافي.. التداخل بين الأجيال. الرجعية. الحرص علي المصلحة  الخاصة. العزلة الثقافية